استضافتني مؤخراً إذاعة الشباب والرياضة في حلقة من برنامج «كلام بجد» مع الإعلامي المتألق الأستاذ/ أحمد عبد الغني. وتحدثنا عن موضوع يمسّ حياة كل عامل وموظف ومدير..
العلاقة بين الإنسان وبيئة العمل، أو ما يُعرف بعلم الأرجونوميكس. أشارككم هنا عدد من نقاط الحوار، مع بعض الإضافات العلمية والعملية.
لماذا يخطئ حتى أمهر الطيارين؟ القصة وراء علم الأرجونوميكس
الكلمة يونانية الأصل: «إرغون» تعني العمل، و«نوموس» تعني القانون أو القاعدة. ظهر المفهوم علمياً في منتصف القرن التاسع عشر على يد العالم البولندي فويتشخ ياسترزيبوفسكي، لكنه لم يتبلور كتخصص مستقل إلا بعد الحرب العالمية الثانية.
كانت حوادث الطائرات كثيرة، والطيارون مدربين جيداً، فكشف الباحثون أن المشكلة ليست في الإنسان بل في تصميم قمرة القيادة نفسه. الضوابط المتشابهة الشكل والموقع كانت تسبب أخطاء قاتلة تحت الضغط.
من هنا انطلق مبدأ جديد: بدل أن نُجبر الإنسان على التكيف مع بيئة سيئة، نُعيد تصميم البيئة والأدوات لتناسب قدرات الإنسان وحدوده.
هذا التحول مهم جدًا. الإنسان ليس «مورداً بشرياً» فقط، بل رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة. أي إصابة أو مرض مزمن يعني خسارة مهارة مدربة، وتأثيراً على أسرة كاملة، وتكلفة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة.
فرق جوهري بين البيئة الآمنة والبيئة الصحية
البيئة الآمنة تعني غياب الحوادث الفورية: لا سقوط، لا حرائق، لا اصطدامات.
أما البيئة الصحية فتعني أن يخرج الإنسان من عمله سليماً على المدى الطويل، بلا آلام مزمنة في العمود الفقري أو المفاصل أو أمراض نفسية ناتجة عن الضغط المستمر.
البيئة الصحية تشمل الآمنة بالضرورة، لكن العكس غير صحيح. كرسي غير مريح قد لا يسبب حادثاً اليوم، لكنه بعد سنوات يسبب انزلاقاً غضروفياً. الإضاءة الضعيفة أو التهوية السيئة لا تسقط شخصاً فورًا، لكنها تُرهق العين والجهاز التنفسي تدريجياً. لذلك يجب أن ننظر إلى الاثنين معاً.
تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن نحو 2.9 مليون شخص يموتون سنوياً بسبب حوادث وأمراض مرتبطة بالعمل، والغالبية العظمى من هذه الوفيات ناتجة عن أمراض مهنية لا عن حوادث مباشرة.
في مصر سُجلت آلاف إصابات العمل سنويًا في المنشآت الرسمية، مع تركيز واضح في القطاع الخاص وبعض المهن الفنية والتشغيلية. هذه الأرقام تذكّرنا بأن الوقاية ليست رفاهية.
3 عادات بسيطة تحميك من الإصابات والإجازات المرضية
سواء كنت تعمل بالنهار أو بالليل، في مكتب أو مصنع أو عيادة:
- حرك كل نصف ساعة على الأقل. حتى لو كانت جلستك سليمة، الجلوس الطويل يضر. قف دقيقة، امشِ بضع خطوات، أو غيّر وضعيتك.
- لا تتجاهل الألم. الألم رسالة مبكرة. لا تُسكّنه وتستمر، بل ابحث عن السبب: الكرسي، ارتفاع الشاشة، تكرار الحركة.
- نم جيدًا. قلة النوم ترفع نسبة الأخطاء وتضعف التركيز والمناعة.
قاعدة 90-90-90 والعمل من البيت
القاعدة الشهيرة 90-90-90 مفيدة كمرجع سريع:
- زاوية 90 درجة تقريبًا عند الركبتين والوركين والمرفقين،
- مع القدمين مستويتين على الأرض أو مسند القدمين،
- والشاشة في مستوى العين تقريبًا حتى لا تنحني الرقبة.
وزن الرأس حوالي 5 كيلوغرامات؛ كل انحناء إضافي يضاعف الحمل على فقرات الرقبة.
مع انتشار العمل عن بُعد، انتقلت بيئة العمل إلى المنزل.
هذا مريح، لكنه يمحو الحدود بين العمل والحياة. يصبح اليوم كله عملاً، ويزداد خطر الإجهاد والاكتئاب.
الحل ليس رفض التكنولوجيا، بل نقل اشتراطات السلامة والصحة المهنية إلى البيت:
- كرسي مناسب،
- إضاءة جيدة،
- فواصل زمنية واضحة،
- وحركة منتظمة.

الذكاء الاصطناعي… هل يساعد أم يخلق خطراً جديداً؟
الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الإنسان في السلامة المهنية، بل يعينه. يمكنه تحليل الحوادث السابقة للتنبؤ بالمخاطر، ومراقبة وضعية الجسم عبر الكاميرات أو أجهزة الاستشعار القابلة للارتداء لتنبيه العامل عند الإجهاد أو الوضعية الخاطئة، وتدريب العاملين في بيئات افتراضية آمنة.
أمثلة عملية موجودة في مصانع وشركات تستخدم الرؤية الحاسوبية لتقليل الحركات المتكررة الخطرة، أو أنظمة تنبيه مبكر للإجهاد الحراري أو التعب.
لكن الحذر واجب. الاعتماد العشوائي على أدوات عامة غير متخصصة قد يؤدي إلى معلومات خاطئة أو ناقصة، كما حدث في بعض الحوادث الصناعية. الأنظمة الآمنة هي تلك التي تُغذى ببيانات علمية موثقة وتُستخدم تحت إشراف بشري متخصص.
الاحتراق الوظيفي والمدير الذي يكسرَك
الاحتراق الوظيفي ليس مجرد تعب عابر. هو استنزاف عاطفي وجسدي وفقدان للشغف والشعور بعدم الإنجاز، حتى بعد الراحة. من علاماته: الرغبة في تجنب العمل، الشعور بأن الجهد لا يُقدر، والصعوبة في التفاعل مع الآخرين بعد انتهاء الدوام.
الفرق كبير بين المدير «الذكي» الذي يحقق الأهداف بأي ثمن، والمدير «الحكيم» الذي يحققها دون أن يكسر موظفيه نفسيًا. المدير الحكيم يدرك أن كل موظف له أسرة تنتظره، وأن إصابة واحدة أو انهيار نفسي يؤثر على دائرة أوسع. يضع حدودًا واضحة، ويُقدر الجهد، ويُبقي على احترام الإنسان حتى عند تصحيح الأخطاء.
عند دخول أي مكان عمل جديد، انظر إلى 5 أمور سريعة
- سلوك العاملين وتعاملهم مع بعضهم ومع الزائرين،
- وضوح مخارج الطوارئ وسهولة الوصول إليها،
- جودة الإضاءة والتهوية،
- ترتيب المكان وخلوه من العوائق،
- ووجوه الناس (هل تبدو متعبة مستنزفة أم نشيطة إيجابية؟). الوجوه أصدق من أي تقرير إداري.

سواء كنت مديراً أو موظفاً، هذه الحقيقة قد تنقذ أسرتك
إلى المديرين وأصحاب الشركات: عاملوكم هم رأسمالكم الحقيقي. حافظوا عليهم كما تحافظون على أصولكم المادية. بيئة عمل صحية ليست تكلفة، بل استثمار في الاستمرارية والإنتاجية.
إلى كل عامل وموظف: اتبع تعليمات السلامة ليس خوفًا من العقوبة، بل حفاظاً على صحتك وحياتك وأسرتك. أنت تستحق أن تخرج من عملك سليماً قادراً على الاستمتاع بحياتك.
علم الأرجونوميكس في جوهره احترام لطبيعة الإنسان التي خلقها الله.. كائن متحرك يحتاج إلى راحة وتنوع وتوازن. عندما نجعل العمل يخدم الإنسان لا العكس، نحصل على إنتاجية أعلى وصحة أفضل ومجتمع أكثر استقرارًا.
أتمنى أن تكون هذه الكلمات بداية لنقاش أوسع وتطبيق عملي في أماكن عملنا.
صحتكم أولوية، وبيئة عملكم جزء أساسي منها.
